أبو ريحان البيروني

5

القانون المسعودي

ظهور هذه الفرق محصلة تفاعل العلوم الدخيلة من هيلينستية وهندية وفارسية وبابلية ، رغم أن روح الحضارة الإسلامية لم تستطع استساغة " 1 " التراث اليوناني بادىء ذي بدء ، ذلك لأن الروح الإغريقية تمتاز بالذاتية ، أي بشعور الذات الفردية بكيانها واستقلالها عن غيرها من الذوات ، وبابها في وضع أفقي بإزاء هذه الذوات الأخرى ، حتى ولو كانت هذه الذوات آلهة . بينما الروح الإسلامية تفني الذات في كل ؛ ليست الذوات المختلفة أجزاء تكونه ، بل هو كل يعلو على الذوات كلها ، وليست هذه الذوات إلا من آثاره ومن خلقه ، يسيرها كما يشاء ويفعل بها ما يريد . والروح اليونانية في نظرتها إلى المكان تختلف عن الروح الإسلامية أشد الاختلاف ، فالمكان في نظرها هو الأجسام نفسها ، محددة معينة ، بينما المكان في نظر الروح الإسلامية خلاء غامض هائل ، ومن هنا نستطيع أن نفهم لما ذا كان المسلمون يشعرون بشيء من القلق بإزاء الأشكال الهندسية . كانت علوم الأوائل هذه متنافرة بادىء ذي بدء مع روح الحضارة الإسلامية ، ولكن احتياج هذه الحضارة المنطلقة إلى رياضيات الإغريق والهند لمعرفة أوقات الصلاة وحساب المواريث واتجاهات القبلة وعدد السنين والحساب ، هيأت للعلماء العرب أن يمتصوا العناصر الدخيلة على الروح اليونانية الخالصة ، ونعني بها تلك العناصر الشرقية التي مزجت بعناصر يونانية وكونت العلوم الهيلينستية ، فكأنها لم تأخذ شيئا مما يميز الروح اليونانية الحقيقية ويطبعها بطابعها الخاص ، وإنما هي استعادت ما أخذته منها الروح اليونانية ، وفي هذا تعليل واضح للنجاح الهائل الذي لقيته الأفلاطونية المحدثة في العالم الإسلامي ، فأرسطو اليوناني لم تستطع الروح الإسلامية أن تهضمه ، فاستعانت على هضمه بالأفلاطونية المحدثة ، التي هي مزيج ؛ نصيب الروح الشرقية فيه أكبر من نصيب الروح اليونانية . لقد كانت الدوافع الاقتصادية والرخاء المالي الذي صاحب الإسلام عند بدء الفتوحات ثم في العصر الأموي ، من أهم الأسباب التي ساعدت على نمو وازدهار العلوم الرياضية بعد ذلك ، ذلك لأن البلاد التي فتحها المسلمون في كرتهم الأولى السريعة ، إنما كانت البلاد التي تجمع فيها ذهب العالم ، وتشمل البلاد التي كانت خاضعة لآل ساسان وهي إيران وما بين الرافدين ، والبلاد الخاضعة لبيزنطة وهي مصر وسوريا وكانت أولى نتائج الفتح الإسلامي ، أن هذه الكميات الضخمة من

--> ( 1 ) التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية : عبد الرحمن بدوي .